(1)
- هممم.. أليكسندر ريبيك .. ألحانه الجميلة رغم وجهه القبيح!
- أستطيع أن أقع في حبه بكل سهولة.
- (يضحك) حقا؟ ..
- (تبتسم) .. أعتذر على الازعاج لكني تسليت بكتابة ملاحظاتي بينما أنتظرك على هوى موسيقاه. ممم. اسمي ندى.. طالبتك ندى سيدي.. تغيبت عن حضور أول محاضراتك في مادة إدارة المشاريع بسبب..
-…أحيلت هذه المادة إلى الدكتور فؤاد .. هذا أول فصل دراسي لي ولقد أسند إلي طلبة التخصص الجدد… لكني تشرفت بمعرفتك ندى ولا تترددي أبدا في أخذ أي نصيحة حول إدارة المشاريع.
- الشرف لي سيد هاريسون. كن مستعدا لإزعاجي في أي وقت. إلى اللقاء.
**
- هل هو اختلاف الحضارة ما يجعلني مرتبطة جدا بموعد حديثنا أم هو اختلاف اللغة! قلت لي أني أجيد التحدث بلغتك الأم كثيرا وأثنيت علي في الكثير. رغم أن الأيام لا تسجل سوى بضعة أشهر وأن الأرقام لم تكتب لي معك سوى سويعات حواراتنا الغير منتهية في كل مرة.. إلا أنني أشعر أنني عشت معك دهرا وأتمنى أن أعيش دهورا أخرى أيضا. تبدو نسخة نظيفة جدا من الرجال وأرجو أن اكون محقة. أتعلم.. عندما تحدثني عن تجاربك في الدراسة والعمل والكتابة وغيرها .. لا أشبع. أشعر أنك مجلد عظيم .. أشعر أني أكبر معك وأورق.. أزهر وأثمر. الصباح يبدو جميلا وخفيفا. المساء يصبح طاقة وردية…لقد اشعلت فيني الكتابة وبذرت بأرضي حب الاستطلاع وعلمتني أن الشبع كأس محرم.
- لا يا ندى .. أنا لم أعلمك.. لربما فتحت لك بابا .. لكن كل هذا كان بداخلك.. ربما …أشعرتك بوجود هذا الباب فقط وأنت فتحتيه ورأيت فيه روحك.
- لا .. فأنا لم أتحدث عن الدين والسياسة والاقتصاد والعادات و التقاليد والحياة والعلوم واختلاف الحضارات والأرض والمستقبل والخيال والأحلام والماضي والذكريات والروحانيات وابتكار أفكار جديدة معك فقط .. لكنني معك فقط تحدثت بطريقة مثمرة جدا. معك بدأت أطّلع على ألفاظ جديدة. ومن أين لي أن أعرف بورنوغرافي، رومنطيقي ، إيروتيكي، راديكالي، ميتافيزيقي، براجماتية ..ووو .. معك فقط بدأت أدون كل شيء .. ومعك بدأت أرتب كل شيء وأركض خلف طموحاتي بحذر.. معك زرت الصين وألمانيا وفرنسا وعشت جميع تجاربك! .. هل بدأت أثرثر؟
- لا أعلم! .. أنت تبالغين وتنجرفين بثنائي! كل ما يحصل أنك تعيشين ذروة عمرك وأنك بدأت تفهمين الأشياء من حولك أكثر. صدقيني .. أنت وأنا لونان مختلفان فقط.. لتربة واحدة..
- أتعلم سيد هاريسون! قلت لي مرة مقولة لأحدهم..
المعلم الضعيف .. يقول
المعلم الجيد .. يشرح
المعلم الممتاز .. يفهّم
المعلم المتميز .. يلهم
وأنت يا معلمي .. ألهمتني الكثير وعلمتني أن أعرف كيف تعمل العدسة قبل أن أنظر من منظاري.
- آآه كفاك!
- حسنا قلي .. كم أذنا للعصفور؟
- ما هذا السؤال المفاجئ؟
- أحاول أن أغير الموضوع!
- النسااااء النسااااء!! لا أعلم ! أظن أنها لن تغنّي دون أذنين .. إلا أني لم أر أذني عصفور قط! أخبريني بالمفيد .. ماذا قرأتِ، شاهدت، سمعت اليوم؟
- قرأت عن “الـجينج”[ وهو مصطلح عرف في الصين القديمة حيث كانوا يعتقدون أن انسياب الطاقة الجنسية في الجسم أمر أساسي للراحة الجسدية والعاطفية والروحية حيث اعتبر الطب الصيني التقليدي أن الطاقة الجنسية مظهرا من مظاهر الجوهر البنيوي للفرد.. في الحقيقة كنت اقرأ عن مدلولات الألوان حيث قادني للتعرف على هذا المصطلح الجديد. منذ أن بدأت تحدثني عن الفلسفة الصينية وأنا أحب قراءة المزيد منها… ممم كنت سأسألك عن رأيك في هذا لكن قلي يا عزيزي السيد هاريسون .. كم ثمن البيت في بلدك؟
- لماذا؟؟
- لأني أخطط أن أشتري بيتا هناك..
- ماذا؟؟؟ هههه … دعك من هذا
- أتعلم أن الفرق بيني وبينك أقل من 6 سنين لكنك تكبرني بعالَمَيْن أو أكثر! ومع ذلك كلما شاهدت فيلم جارفيلد تذكرتك!
- جارفيلد! حسنا يكفي .. هل أخبرتك يا ندى عن الفرق بين الرغبة والاستحقاق؟
- تحدثنا يوما عن الرغبة والاستحقاق وماهية الفرق بينهما لكني لم أدرك أنني سأعالج قلبي بها! سيد هاريسون .. أنت لطيف حقا لكن رغبتي في الارتباط بك تزكي قناعاتي في أني أستحقك .. قبل أن تجيبني .. تأمل ولا تنس أن تتذكر كيف تعمل العدسة قبل أن ترى من منظارك وتجيبني.
(2)
تركض تركض تركض..ترقب من نافذته: آآآه مازال موجودا في مكتبه!
-
- ما الذي تفعلينه هنا؟
- انتهيت من الاختبار. هل أنت مشغول ..؟
- قليلا .. كيف كان اختبارك؟
- جيد .. هل تذكر حينما حدثتني عن أول قصة حب لك؟ صف لي الحب..
- لا يمكنني وصفه .. لكنه شيء جميل جدا..
- وهل كنت تشعر أنك تطير فرحا دون أي سبب؟
- أجل
- هل كان قلبك يرقص طربا اذا اقتربت منك أو ذكر اسمها؟
- أجل..
- هل كانت كل احلامك يقضة وكل يقضتك أحلام؟
- أجل
- اذن .. أنا أحب !!!
- هل لي أن اعرف من يكون؟
- ألم أخبرك؟
- لا
- لم أخبرك؟!
- لا
- اذن سأخبرك لاحقا.
لاحقا .. في صندوق البريد رسالة خطية منه.. كتب عليها:
قصيدة الدخول إلى هيروشيما – نزار
مُبلَّلٌ . مُبلَّلٌ
قلبي ، كمنديل سفر
كطائرٍ .. ظلَّ قروناً ضائعاً تحت المطر
زجاجةٌ .. تدفعها الأمواجُ في بحر القدَر
سفينةٌ مثقوبةٌ تبحثُ عن خلاصِها ،
تبحثُ عن شواطيءٍ لا تُنتظر
*
قلبيَ يا صديقتي
مدينةٌ مغلقةٌ
يخافُ أن يزورها ضوءُ القمَرْ
يضجرُ من ثيابه فيها الضجر
أعمدةٌ مكسورةٌ ، أرصفةٌ مهجورةٌ
يغمرُها الثلجُ وأوراقُ الشجَرْ
*
قبلكِ ياصغيرتي
جاءت إلى مدينتي
جحافلُ الفُرس وأفواجُ التتر
وجاءها أكثرُ من مغامرٍ
ثم انتحَرْ
فحاذري أن تلمسي جدرانَها
وحاذري أن تقربي أوثانها
فكلَّ مَن لامسها
صار حجر!

