(1)

- هممم.. أليكسندر ريبيك .. ألحانه الجميلة رغم وجهه القبيح!

- أستطيع أن أقع في حبه بكل سهولة.

- (يضحك) حقا؟ ..

- (تبتسم) .. أعتذر على الازعاج لكني تسليت بكتابة ملاحظاتي بينما أنتظرك على هوى موسيقاه. ممم. اسمي ندى.. طالبتك ندى سيدي.. تغيبت عن حضور أول محاضراتك في مادة إدارة المشاريع بسبب..

-…أحيلت هذه المادة إلى الدكتور فؤاد .. هذا أول فصل دراسي لي ولقد أسند إلي طلبة التخصص الجدد… لكني تشرفت بمعرفتك ندى ولا تترددي أبدا في أخذ أي نصيحة حول إدارة المشاريع.

- الشرف لي سيد هاريسون. كن مستعدا لإزعاجي في أي وقت. إلى اللقاء.

**

 

-  هل هو اختلاف الحضارة ما يجعلني مرتبطة جدا بموعد حديثنا أم هو اختلاف اللغة! قلت لي أني أجيد التحدث بلغتك الأم كثيرا وأثنيت علي في الكثير.  رغم أن الأيام لا تسجل سوى بضعة أشهر وأن الأرقام لم تكتب لي معك سوى سويعات حواراتنا الغير منتهية في كل مرة.. إلا أنني أشعر أنني عشت معك دهرا وأتمنى أن أعيش دهورا أخرى أيضا. تبدو نسخة نظيفة جدا من الرجال وأرجو أن اكون محقة. أتعلم.. عندما تحدثني عن تجاربك في الدراسة والعمل والكتابة وغيرها .. لا أشبع. أشعر أنك مجلد عظيم .. أشعر أني أكبر معك وأورق.. أزهر وأثمر. الصباح يبدو جميلا وخفيفا. المساء يصبح طاقة وردية…لقد اشعلت فيني الكتابة وبذرت بأرضي حب الاستطلاع وعلمتني أن الشبع كأس محرم.

- لا يا ندى .. أنا لم أعلمك.. لربما فتحت لك بابا .. لكن كل هذا كان بداخلك.. ربما …أشعرتك بوجود هذا الباب فقط وأنت فتحتيه ورأيت فيه روحك.

 - لا .. فأنا لم أتحدث عن الدين والسياسة والاقتصاد والعادات و التقاليد والحياة والعلوم واختلاف الحضارات والأرض والمستقبل والخيال والأحلام والماضي والذكريات والروحانيات وابتكار أفكار جديدة معك فقط .. لكنني معك فقط تحدثت بطريقة مثمرة جدا. معك بدأت أطّلع على ألفاظ جديدة. ومن أين لي أن أعرف بورنوغرافي، رومنطيقي ، إيروتيكي، راديكالي، ميتافيزيقي، براجماتية ..ووو .. معك فقط بدأت أدون كل شيء .. ومعك بدأت أرتب كل شيء وأركض خلف طموحاتي بحذر.. معك زرت الصين وألمانيا وفرنسا وعشت جميع تجاربك! .. هل بدأت أثرثر؟

- لا أعلم! .. أنت تبالغين وتنجرفين بثنائي! كل ما يحصل أنك تعيشين ذروة عمرك وأنك بدأت تفهمين الأشياء من حولك أكثر.  صدقيني .. أنت وأنا لونان مختلفان فقط.. لتربة واحدة..

- أتعلم سيد هاريسون! قلت لي مرة مقولة لأحدهم..

المعلم الضعيف .. يقول

المعلم الجيد .. يشرح

المعلم الممتاز .. يفهّم

المعلم المتميز .. يلهم

وأنت يا معلمي .. ألهمتني الكثير وعلمتني أن أعرف كيف تعمل العدسة قبل أن أنظر من منظاري.

-   آآه كفاك!

- حسنا قلي .. كم أذنا للعصفور؟

- ما هذا السؤال المفاجئ؟

- أحاول أن أغير الموضوع!

- النسااااء النسااااء!! لا أعلم ! أظن أنها لن تغنّي دون أذنين .. إلا أني لم أر أذني عصفور قط! أخبريني بالمفيد .. ماذا قرأتِ، شاهدت، سمعت اليوم؟

-  قرأت عن “الـجينج”[ وهو مصطلح عرف في الصين القديمة حيث كانوا يعتقدون أن انسياب الطاقة الجنسية في الجسم أمر أساسي للراحة الجسدية والعاطفية والروحية حيث اعتبر الطب الصيني التقليدي أن الطاقة الجنسية مظهرا من مظاهر الجوهر البنيوي للفرد.. في الحقيقة كنت اقرأ عن مدلولات الألوان حيث قادني للتعرف على هذا المصطلح الجديد.  منذ أن بدأت تحدثني عن الفلسفة الصينية وأنا أحب قراءة المزيد منها… ممم كنت سأسألك عن رأيك في هذا لكن قلي يا عزيزي السيد هاريسون .. كم ثمن البيت في بلدك؟

- لماذا؟؟

- لأني أخطط أن أشتري بيتا هناك..

- ماذا؟؟؟ هههه … دعك من هذا

- أتعلم أن الفرق بيني وبينك أقل من 6 سنين لكنك تكبرني بعالَمَيْن أو أكثر! ومع ذلك كلما شاهدت فيلم جارفيلد تذكرتك!

- جارفيلد! حسنا يكفي .. هل أخبرتك يا ندى عن الفرق بين الرغبة والاستحقاق؟

- تحدثنا يوما عن الرغبة والاستحقاق وماهية الفرق بينهما لكني لم أدرك أنني سأعالج قلبي بها! سيد هاريسون .. أنت لطيف حقا لكن رغبتي في الارتباط بك تزكي قناعاتي في أني أستحقك .. قبل أن تجيبني .. تأمل ولا تنس أن تتذكر كيف تعمل العدسة قبل أن ترى من منظارك وتجيبني.

(2)

تركض تركض تركض..ترقب من نافذته: آآآه مازال موجودا في مكتبه!

-   :)

-  ما الذي تفعلينه هنا؟

- انتهيت من الاختبار. هل أنت مشغول ..؟

- قليلا .. كيف كان اختبارك؟

- جيد .. هل تذكر حينما حدثتني عن أول قصة حب لك؟ صف لي الحب..

- لا يمكنني وصفه .. لكنه شيء جميل جدا..

-  وهل كنت تشعر أنك تطير فرحا دون أي سبب؟

- أجل

- هل كان قلبك يرقص طربا اذا اقتربت منك أو ذكر اسمها؟

- أجل..

- هل كانت كل احلامك يقضة وكل يقضتك أحلام؟

- أجل

- اذن .. أنا أحب !!!

- هل لي أن اعرف من يكون؟

- ألم أخبرك؟

- لا

- لم أخبرك؟!

- لا

- اذن سأخبرك لاحقا.

 

لاحقا .. في صندوق البريد رسالة خطية منه.. كتب عليها:

قصيدة الدخول إلى هيروشيما – نزار

مُبلَّلٌ . مُبلَّلٌ
قلبي ، كمنديل سفر
كطائرٍ .. ظلَّ قروناً ضائعاً تحت المطر
زجاجةٌ .. تدفعها الأمواجُ في بحر القدَر
سفينةٌ مثقوبةٌ تبحثُ عن خلاصِها ،
تبحثُ عن شواطيءٍ لا تُنتظر
*
قلبيَ يا صديقتي
مدينةٌ مغلقةٌ
يخافُ أن يزورها ضوءُ القمَرْ
يضجرُ من ثيابه فيها الضجر
أعمدةٌ مكسورةٌ ، أرصفةٌ مهجورةٌ
يغمرُها الثلجُ وأوراقُ الشجَرْ
*
قبلكِ ياصغيرتي
جاءت إلى مدينتي
جحافلُ الفُرس وأفواجُ التتر
وجاءها أكثرُ من مغامرٍ
ثم انتحَرْ
فحاذري أن تلمسي جدرانَها
وحاذري أن تقربي أوثانها
فكلَّ مَن لامسها
صار حجر!

ملف الهبل العربي للكاتب حسين علي لوباني المنشور عام 2006 من قبل دار النشر “الإنتشار العربي” هو من أبرز الكتب التي تدعو للصحوة ،وهي جرس تنبية لكل مستهبل عربي أو متأسلم ” يعني بالمشرمحي.. بلاش نستعبط على بعض”.

هنالك جملة أعجبتني جدا أقتبسها من هذا الكتاب..”لقد كنا نتديـّن كما نتنفس.. فلا غرابة في التديّن، ولكن الغرابة هي في أن نشخر!” لربما هي أفضل عبارة يتمحور حولها كتاب ملف الهبل العربي حيث يستعرض الكاتب نصوصا موثقة من كل لون يدين بها التخلف العربي والحال التي نؤول إليها. فالكاتب حسين يرى أن “الهبل” حالة متفشية في العالم عامة وفي دول (العربان) خاصة. فمادة الكتاب تتعدى (الهبل العربي) إلى أقوام آخرين حيث أن الهبل لا هوية له، ولا دين له ،وقد نجا منه الكثيرون، ولكنه من أكبر عيوبنا نحن العرب والمسلمين فأكبر مظاهره تتجلى في التفرقة الدينية التي تتصارع وتُكَفّر بعضها البعض حيث تجرجر فتاوى دينية على هوى أهدافهم، وهذا المظهر يشكّل أكبر هوّة يتساقط عليها الهَبَلَة والجَهَلَة” مما يؤلم الكاتب كما يؤلم كل من يسعى لرقي هذه الأمة. يتلخص ملف الهبل العربي في تنبيه الذين شغلوا أنفسهم عن الأولويات بالأمور الفرعية التي يختلف فيها العلماء أنفسهم كالختان و الحجاب واللحية و… الخ وذلك عن طريق عرض النصوص الموثقة التي تناقض بعضهاأحيانا ، وتحسب بعضها “نكتة”. هذا هو الجزء الممتع جدا في الكتاب.. وهو أن الكتاب يجمع نصوصا حية من أهم الكتب والمجلات العربية و الدينية التي تُعَلِّق على بعضها البعض كحوار يستعرض الهبل اليومي الذي نعيشه وقد شهدنا الثورةَ عليه خلال هذه السنة ولربما شهدنا خلالها الكثير من الاستهبال أيضا بشكل متفاوت.

يتكون الكتاب من أربعة فصول تعرض مظاهر الهبل العربي بنصوص موثقة تثير الجدلِ: الأول: أحاديث قلقة ، الثاني: في الجنس بين الرجل ،المرأة، الغلمان وباقي السياق، الثالث: في انتاج العربان السياسي-العلمي- الأدبي-الاجتماعي-الاقتصادي ونحوه.. ، أما الفصل الرابع فيستعرض النصوص الموثقة في أربعة أجزاء تعرض فكرتي غرق العربان في الأمور الفرعية ، والمغالطة في تسويق هذا الجهل و الهبل على أنه الدين الحق والحياة!! وهي تستعرض في الجهل و الهبل والتخلف ، وفي الشعوذة والدجل والجن والخرافات ، وفي الخوارق والمعجزات ونحوها وأخيرا في الختان والحجاب واللحية! صادَفَت قراءتي لهذا الكتاب متابعتي الشحيحة لمسلسل “الحسن والحسين” حيث أن ما حصل في تلك الفترة الزمنية بالفعل أدى إلى تدهور حالات الهبل عند العربان المعروضة في الكتاب مما دون أثناء الخلاف العظيم وأن هذا الهبل العربي شبيه جدا بالهبل الذي كان قد عرض في مسلسل “تخت شرقي” السوري والذي قد تستطيع رؤية واقعه في جميع مواسم “خواطر” الذي يعرضها أخونا السعودي أحمد الشقيري في كل رمضان. لو استطعت أن تشاهد هذا وذاك وتقرأ ملف الهبل العربي لحصلت على نظرة عن كثب للهبل العربي الحقيقي!

شاهدته من قبل .. سمعته من قبل .. زرته من قبل .. هذه الثلاث حالات التي تصيب 70 بالمئة من الناس عدا ثالثها فهي نادرة الحصول والتي ما إن يحدث المشهد إلا ونصرخ “حلمت هذا المشهد من قبل! ” .. حتى الآن لا يجد العلماء تفسيرا لهذه الحالات المحيرة و قد كثرت النظريات حولها .. وأنا كانت تنتابني الحالة الثالثة في اسطنبول. لقد كانت مدينة تستحق السفر إليها بالفعل ولم أكن أشعر أبدا بالغربة فيها. ربما لأن كل شيء يذكرك بأنك مسلم رغم تضارب الحضارات فيها ورغم اشتهاء الحياة بكل ملذاتها فيها. فكل ممنوع مرغوب ، وكل محرم مباح في الوقت ذاته ،وكل حاضر ماضٍ ، وكل ماضٍ حاضر بقوة ،وكل شارع يسيح بك في رواية ، وكل زقاق يرمي بك إلى بحر ساكن ، كل شيء يدعوك للحب والسلام ، وكل مساء فيها يدعوك لأغنيات العشق، وكل عجيب من بني البشر مختلط بالغريب وأهم من كل شيء فيها .. كل شيء فيها يدعوك للحياة.

الأتراك المهرولون دائما يفعلون أي شيء من أجل أن يكسبوا لقمة عيشهم، كل شارع سوق وكل بناية تنضح بالتجار. الباعة المتجولون لا يعرفون الكلل و بيع العلامات العالمية المقلدة رقم1 هي احدى أسمى أهدافهم لاصطياد محافظ السواح: العطور، الحقائب ،الملابس وخاصة بنطال الجينز الواقف على كل ركن بناية ،الملابس النسائية الداخلية المعروضة ع أرضية الشارع، وأكوام أكوام أكوام من الأحذية التي لتصدق أن تركيا مصنع الأحذية والجلود لا إيطاليا. أما ما ما يصنع الحياء فيك ويخدشه هي متاجر بيع المونيكان “تماثيل عرض الملابس” العارية تماما و التي تجدها بكل الألوان و أجمل التصاميم وأمثل القاياسات كعارضات الأزياء تماما.

لن أحكي لكم أين تسوحت وكيف كانت رحلتي .. لا بل أريد أحكي و أحكي و أحكي كم هو الفارق العجيب الذي يخلقه السفر في النفوس خاصة لنا نحن العرب .. ولعلي أدرك الآن ما الذي يحاول أحمد الشقيري جاهدا أن يوصله لنا. فااارق عجيب بالفعل .. نحن عندنا الذهب الأسود الذي نعرف جيدا نحن أبناء الشعب قوته ويتجاهل رؤساؤنا قيمته. حينما نسافر ندرك الأشواط التي يسبقنا بها الأقوام الآخرين و الحكومات الأخرى. رغم أني تسوحت لـ 8 أيام فقط في تركيا و لم أذهب لدراسة أو عمل إلا أنني أدركت كم انهم حريصون على أن يستغلوا اي شيء يجعل من بلادهم قوة. وحده بلد واحد منا نهض بأساليب قوية.. نهضة دولة الإمارات العربية المتحدة كانت بعد نهضتنا إلا أنني أشعر أنهم يفوقننا حنكة وقدرة وتقانة لاستغلال موارد بلادهم الأصغر من بلادنا مساحة و الأقل من شعبنا نسمة!!!

السياحة هناك أمر عجيب عند المسؤولين الأتراك ، وربط الحاضر بالماضي أساس عظيم تقوم عليه السياحة ،هذا من جهة ومن جهة أخرى ربط الحاضر بتكنلوجيا المستقبل وتطويرها على الدوام. والأمر الرائع الذي لمسته أن السياحة جعلت للشعب أنفسهم كما للسواح تماما حيث أنها تثري الشعب ثقافيا وتعطيهم دافعا قويا لحب الوطن والشعور بالانتماء رغم الطبقية الواضحة جدا في شوارع اسطنبول. عندما تخرج من اسطنبوا تدرك جيدا أن اسطنبول ليست هي المدينة الوحيدة في تركيا و أن لكل مدينة كنوز تفخر بها من ماضيها أو حاضرها.  نعيم البلاد وخيراتها، خضرتها ، زرعها..كل شيء كنز يجعلك تصمت كأنك ترى شيئا من الجنة خاصة لنا نحن الشعوب الساكنة في سقيع الشمس الحارق لكل أخضر والحمدلله و الأتراك يعلمون ذلك تماما. ولا أعجب أبدا أن الأفكار في بيئة كهذه تتبلور بسرعة الضوء وتنعكس على كل منتج عندهم.

في اسطنبول تجد الفواكه مما لذ وطاب وتجد منتوجات القطن و البامبو مما يتعبك عدا وإحصاء وتجد من منتوجات الجلود ما يذهلك فيضه وتجد من براعة الأتراك  وحيلتهم الفقراء منهم و التجار من أغلبهم ما تعجب منه ليال وتجد من عمالة الأطفال ما يكسر شفقتك ومحفظتك وتجد من عمالة الأطفال ايضا ما تطرب له اسماعك من أنغام حيث يتربع على شوارعها طفل بمزماره كل 50 متر يعزف بكل براعة وصندوقه الكرتوني الفارغ ينتظر قرشك ع أنغام حزينه أحيانا تحكي واقع الحياة القاسية لكل طفل ، وكل هذه الأمثله هي ضرب من سعيهم للرزق.

كل ما نحتاج إليه يا جماعتنا هو استغلال الموارد بطريقة نموذجية وربطها بالمادة العملية مباشرة وأهم من ذلك أن لا تطغى الصناعة على البيئة. كل عمل يبدأ بفكرة. منذ أن كنت صغيرة أحلم أن تكون مدينتي نزوى مدينة بيئية رئيسية. الكثير من الأفكار ما تزال على الأوراق وأعلم جيدا أن الكثيرين يفكرون مثلي أو أكثر. الجبل الأخضر خيراته وفيرة .. ما المانع من تحويله لمنطقة سياحية تتوفر فيها خدمات سياحية صديقة للبيئة بشكل راقٍ…ومن هنا تكون البداية!

غدا سيبدأ يوم جديد .. غدا هو الحادي والعشرين من شهر تموز.. غدا هو يوم زفافي .. وما أزال أنتظر أن يمر هذا اليوم بخبر ظهورك يا أنس( وليس عودتك) ..
أجل فأنت لم تسافر .. أنت في الوطن وستظل في الوطن.. قبل يومين كنت ما أزال أفكر في المكان الذي تنام فيه وفي الطعام الذي تأكله و في نقاوة الهواء الذي تتنفسه ، في لون الجدران ، وفي الأصوات المحيطة بك .. وفي أشياء كثيرة .. كأي قلبٍ يشبه في كينونته قلب امرأة .. ويشبه في قلقه قلق أم ! لكن اليوم أراجع أفكاري .. وأدرك أنك لم تغب أصلا و أن وجودك أصبح أقوى .. وما زال يصبح أقوى.. صور كل المعتقلين تصبح أوضح من خلف نظارتك حتى من انعكاسها على عدسات نظارتك. لست لست المعتقل الوحيد وأنت أنت واجهة كل المعتقلين.

أنس يا صديقي القديم الجديد .. وطنكم وطننا .. وفرحكم فرحنا .. وأسرار حزنكم -صدّقني -  في قلوبنا. أريد أن أتخيل أنك “حربوق” في ذلك المكان أيا كان وكيفما كان وأنك تستطيع فك الشفرة مهما تطلبت من دقة وتركيز. عيناك الخضراوان لا تنامان وعجلة فكرك في تناغم مبهر. ألوان الجدران توسع مداركك وتفتح أبوابا مخفية في الظلام ..

من أجل أن يلمع السيف ويصبح حادا لابد من شحذه ..ولابد أن يخسر شيئا من وزنه.. إنهم يصنعون منك ما لا يدركون.. هذه تجربة قاسية بالتأكيد لكنني آمل جدا أن توحد بعض أفكارك الهامشية وتجعل منك رأيا مسلولا :)

مضى أسبوع وأنا حزينة جدا .. لكني أعلم جيدا أنه لو كنت أحدثك الآن على شباك الجيميل لكنت طلبت مني أن أعيش كما أنا .. “مجموعة انسان” أضع الأشياء في مكانها وأسمي الأشياء بأسمائها وأرتب جدول يومي كما كنت لا تفعل غالبا :) أيها العزيز أنس كن بخير ما استطعت .. قلوبنا معك يا صديقي.

……

هذه تدوينة طازجة .. في الحقيقة أنا لا أريد ان أحدثكم عن البيروقراطية بل عن مصطلح قد يراه البعض معقدا، ولذا اخترت أن أستخدم هذا العنوان لأعبر عن “البيرو-باثو-لوجيا” .. صدقوني ليس مصطلحا طويلا!

للذين لا يعلمون فإن البيروقراطية الدارجة هي باختصار: الروتين الممل والإجراءات المعقدة التي ليس لها فائدة سوى تأخير المعاملات وتعقيدها وكما جاء في الويكيبيديا فالبيروقراطية أو الدواوينية هي مفهوم يستخدم في علم الاجتماع والعلوم السياسية يشير إلى تطبيق القوانين بالقوة في المجتمعات المنظمة. وتعتمد هذه الأنظمة على الاجراءات الموحدة وتوزيع المسؤوليات. هنالك العديد من الأمثلة على البيروقراطية المستخدمة يوميا: الحكومات، القوات المسلحة، الشركات، المستشفيات، المحاكم، المدارس وغيرها.  ويعود اصل كلمة البيروقراطية إلى “بيرو” أي مكتب، المستخدمة في بداية القرن الثامن عشر ليس للتعبير عن كلمة مكتب للكتابة فقط بل للتعبير عن الشركة، وأماكن العمل أو المؤسسة.  بالإضافة إلى كلمة “قراطية” وهي مشتقة من الأصل الإغريقي كراتُس ومعناها السلطة والكلمة في مجموعها تعني قوة المكتب أو سلطة المكتب.

عموما أنا لست ضد البيروقراطية ذاتها لكنني ضد البيروباثولوجيا والتي هي في أبسط صورها “التصرفات السلبية التي تتعلق بالبيروقراطيين أنفسهم حينما يسيؤون استخدام البيروقراطية أي أن أفعال البيروقراطيين لا تعي المفهوم الحقيقي والهدف الذكي للبيروقراطية ذات السلاح ذو الحدين.  الذي حدث اليوم هو ما دفعني لأن اتساءل عن الهدف من وراء البيروباثولوجيا أو ما أدعوه أنا بالبيروقراطية القاتلة!  اليوم ذهبت إلى عمادة القبول والتسجيل من أجل استلام ورقة “إخلاء طرف خريج” وبالإمكان اعتبارها الورقة التي يجب أن أحصل فيها على كل الأختام التي توثق انتهاء صلاحيتي كطالب في جامعة السلطان قابوس حينها فقط أستطيع الحصول على إفادة التخرج.  في هذه الورقة تظهر البيروقراطية القاتلة بطريقة عجيبة .. حيث أن العملية تبدأ بأخذ الأختام من مرافق كليتي ثم المكتبة الرئيسية ثم ثم عمادة شؤون الطلاب وهكذا .. العجيب في الأمر أن البعض ملتزمون نصا وفعلا بالتوقيع والختم فلا يمكن أن أختم إلا منهم كما هو مكتوب في الورقة وفي الضفة الأخرى البعض لا يهمه اسم صاحب السلطة .. الختم موجود و(يلللا سهلولها أمورها هالمسكينة) .. ولكن مربط البيروقراطية القاتلة كان في التالي: بعدما ذهبت لأحصل على الختم الأخير قال لي المعني بالأمر يجب أن أحصل على ختم من المعني بشؤون مكتبة المسجد (مع العلم أني منذ دخولي جامعة السلطان قابوس وأنا لم أدخل المسجد ولا أعلم حتى كيف يبدو! والأغلب أن أغلب الطالبات كذلك). البيروقراطية القاتلة تظهر بقوة في تأسيس الأطباء المتخصصين في السلطنة. القوانين تنص على عدد شحيح (حوالي 2) للأطباء الذين يمكن أن تتبناهم الحكومة وأغلبهم نساء لسبب غير عادل حيث أن الرجال قادرين ماديا ومعنويا (أي اجتماعيا) أن يسافروا بأريحية متى شاؤوا وإلى أي بلد. وبهذه الطريقة نستطيع أن نحصل على مئة طبيب مختص في العيون مثلا بعد 50 عاما !! الجيد في الأمر أنه قد أجريت بعض التعديلات على هذا.

عجبا !!  البيروباثولوجيا لا يمكن أن تنتهي .. الذي ينتهي هو التصرفات السيئة لبني البشر.  أرجو أن نسعى لنقتل البيروقراطية القاتلة.  وأن نستطيع أن نشغل البيروقراطية بطرق انتاجية أكثر.

الأسبوع الأخير من شهر فبراير\شباط 2011

على هذا الشط.. هذه الصدفة والكثير من فتات أصداف تحللت وتفتتت ..وجمجمة بيضاء تلبس قبعة عصرية مرسومة بدقة بفتات الصدف، وآخر ما تراجع من موجة البحر الأخيرة أكل فم الجمجمة وأزاح ذقنها لأسفل قليلا.. لا بل هذا كلب بوليسي يركض بنباح فاغر الفم ولعابه يسيل يلبس قبعة فرنسية.. بل يحمل قطعة لحمة لا أستبين شكلها .. لا لا .. هذا كلب أليف لطيف وفيّ يحمل حمامة بفمه دون أن يؤذيها وأذناه الطويلتان تتطايران اثر وثباته السريعة متجها لعجوز طيبة تملكه وتسكن آخر الرواق… أظن أن خيالاتي لن تنتهي في فك هذه الزاوية من هذه البلاطة!

عندما كنت صغيرة .. كلما أدخل الحمام – أو دورة المياه لمن يظن أن هذه التسمية أكثر تهذيبا – .. في كل مرة أدخل أخرج بخزينة خيالية وبألف قصة وقصة.  تلك الأشكال التي تكوّن رسم قطع البلاط أو الرخام تتشكل بالف شكل وشكل وترسم في خيالاتي ألف وجه ووجه .. ولا اظنني في الواقع وحدي.. فأنا أظن ان الكثيرين مثلي.  ولأني كنت صغيرة كان لابد أن لا أحكي هذا أمام أحد .. يجب أن لا أبدو مجنونة أو سخيفة.. فبدأت آخذ قلم رصاص معي في كل مرة وأرسم الأشكال التي أراها .. في الحقيقة لم أكن محتاجة لذلك إلا لأنفي من رأسي فكرة أن الشيطان يتلاعب بي في الحمام .. يقال أن الحمام هو بيت الشيطان ما كان يحدث ببساطة كان يشبه جدا ذلك الذي نفعله عادة عندما نشاهد سحابا يمر .. ونبدأ برؤية أشكال غريبة سرعان ما تتبدل.

حالة التبدل بين الصور التي نراها هي ما دفعني لكتابة هذا المقال..ترى.. هل هذا التبدل هو نتاج تطور سريع لعملية التخيل أم هو انعكاس خاص من ملفاتنا المخزنة في أدمغتنا أي متعلق بالماضي؟ .. بافتراض أن التطور السريع لعملية التخيل لا يملكه الجميع بنفس البديهية حيث أنها قدرة متفاوتة بين بني البشر.. فهل هذا يعد انعكاسا دماغيا فيزيائيا أم روحيا؟ أقصد.. هل هو انعكاس صور خزنتها الذاكرة حسب البيئة ، المكان، الزمان  أم هو اختزال للطاقة المستهلكة في التفكير أو دعنا نقول في طريقتنا في التفكير فيظهر منعكسا على الصور الخارجية العشوائية كالتي نراها في بلاط الحمام أو في عشوائية ألوان الرخام والتي حينها تتشكل بوعي أو بدون وعي .. بقصد أو بدون قصد !

لطالما كان تفكير الانسان حلزونيا.. بمعنى أن فكرة واحدة تكفي لبدء دوامة من الأفكار.. فالتبلور هو واحد من أشكال الحلزونية اتتي أعنيها.. وموضوعي الذي اعرضه الآن (مصدرالخيال المقتبس).. هذا التساؤل حيرني جدا وودت لو أعرف هل للشيطان فعلا علاقة في هذا كون هذه التخيلات تكون بأكمل حالاتها في الحمام!  التخيل هي ميزة .. ومن أكثر الوسائل ابداعا في عقل الانسان.. هي التركيبة الإلهية المعقدة والتي تعكس ملمحا من ملامح الخالق العظيم.. لكن ما هي الحلقة المفقودة التي يرتبط فيها الشيطان بعملية التخيل.

 قادني هذا إلى قراءة الكثير عن الشيطان لأتوصل إلى مفهوم البشر للشيطان .. وتوصلت أخيرا لنتيجة بسيطة هي : أنه في الحقيقة لا يوجد مفهوم خالص للشيطان .. إلا أن العلاقة الوحيدة بيننا وبين الشيطان تكون في وسيلة واحدة هي “الجذب”. بامكاني القول ان التنويم المغناطيسي هو نوع من أنواع عملية الجذب حيث أننا نكون في حالة من التنويم المغناطيسي عندما يشدنا الفضول نحو شيء ما أو ننجذب إلى شيء ما.  وفي الحقيقة نحن بني البشر أكثر ما يجذبنا هو الغموض والجمال (على مستوى معنوي وأن المال و النجاح هما ما يجذبان البشر على مستوى مادي) ولأن الشيطان يعلم جيدا أن الخيال اللامحدود هو واحد من اكثر الميزات العقلية لدى أعدائه البشر فلابد من التحايل عليه من هذا المنطلق. لذا فالخلاصة التي توصلت إليها هي أنه من الخطأ ربط الشيطان دائما بالقبح .. فالشيطان يعلم جيدا مدى نفورنا من القبح ولذا فهو مرتبط بالجمال..ولكنه أذكى من ان  يرتبط بمفهوم الجمال النقي. مربط الفرس في حديثي كله هو التخيل حيث أن عملية التخيل هي مصدر كل الأفكار ولذا نجد على سبيل المثال ان الخطة ما هي إلا نظرة تخيلية ومسبقة التفكير من أجل انجاز هدف معين. وأظن ان خطط الشيطان تبدأ دائما بنقطة بداية واحدة هي التخيل !!

عودة…

Posted: أبريل 29, 2011 in في دفتري الأزرق

مضى قرابة الأربعين يوما منذ استلامي لإفادة التخرج. تبلبلت سفرا بين العاصمة  ومدينتي نزوى وأحرزت بعض القراءات المؤجلة منذ أيام الدراسة. انشغلت كثيرا بأمور تجهيزات حفل زفافي وقد وصلت لمرحلة السأم من التسوق.. خلال الفترة الماضية خزنت الكثير من التدوينات كمسودات .. تعلمت الكثير،حللت ن وتوصلت إلى نتائج عجيبة خاصة فيما يخص تفكير النساء وانفتحت أمامي عوالم كثيرة وتواردت على بالي الكثير من المشاريع التجارية كوني عاطلة عن مهنة رسمية حاليا. في الأيام القادمة سوف أعرض بعض هذه التدوينات التي سأعرض فيها النتائج الغريبة. حاليا أقوم بترتيب الرواية المهملة التي أحاول جاهدة أن تحتوي خلفية ثقافية تعكس الزمن الذي أفكر فيه أو الذي أحاول أن أفهم كيف نفكر فيه.

قد يفضل أن أكتب بنفسي عن المعرض الخيري للكتب المستعملة الذي ابتدأناه السنة الماضية وبكل فخر كان ناجحا جدا. يثيرني العمل التطوعي خاصة فيما يتعلق بالكتب وهذه المرة سيكون ناجحا أيضا بإذن الله .. ننتظر مشاركتكم .. بقية التفاصيل عن المعرض أستوردها لكم من مدونة صديقتي الحلوة أميرة اليعربي http://bit.ly/ha12FU 

معرض الكتب المستعملة
معرض للكتب المتبرع بها من قبل مختلف شرائح المجتمع “طلاب, أكاديميين، محاضرون، طلاب مدارس،……. كل من يرغب بالتبرع” لمدة 3 أيام، المعرض من تنظيم مجموعة مركز المعلومات في كلية التجارة والاقتصاد بجامعة السلطان قابوس، فكرة المعرض أن يتم بيع هذه الكتب بعد جمعها من المتبرعين بأسعار رمزية، والتبرع بعائداتها لجهة خيرية فيما يخدم القراءة والكتب. في السنة الماضية قررت مجموعة مركز المعلومات أن تتبرع بالعائد المالي إلى مركز عمر بن الخطاب للمكفوفين.
 
في هذه السنة سنتبرع بعائدات الكتب من أجل الجمعية الأهلية لمكافحة السرطانأهداف المعرض:
* التعرف على قراءات مختلف الشرائح واهتماماتهم القرائية وتشجيعه على الاهتمام بالقراءة
* تبادل الخبرات والتجارب بين رواد المعرض وطلاب المجموعة فيما يتعلق بعادات القراءة
* التبرع بعائدات المعرض لجهة خيرية مختلفة في كل عام

الزمان:30-31 مارس و 1 أبريل /2011الأربعاء – الجمعة

طرق تجميع الكتب
 بإمكانكم الإتصال على أحد هذين الرقمين:
93192188
93103677
icg.cce@gmail.com
 

 

نقاط التجميع:
محل : الحرة لخدمات الحاسب الآلي والإنترنت
الحيل الشمالية – بجوار مخبز عمان الحديث
برادات اليقين بجانب مسجد ام القرى – العذيبة
مقر الجمعية الأهلية لمكافحة السرطان – العذيبة
للإطلاع على تجربة السنة الماضية.. مصنف”معرض الكتب الخيري” في مدونة أميرة اليعربي يحوي ثلاثة مواضيع بالإضافة إلى بعض الصور عن المعرض الأول
أميرة اليعربي

عشية الربح المجيد

Posted: ديسمبر 25, 2010 in Business

آآآآه! أنا غارقة في مذاكراتي النهائية استعدادا لآخر أسبوع دراسي لي لكسب عملة البكالوريوس والعالم غارق في زوبعة الـ(ــكريسماس) !  كعادتي الصباحية في نزوى .. أبدأ صباحي بشاي أمي، وخبز أمي ولقمة من الفطور اللذيذ الذي أعدته أمي مستمتعة بمتابعة قناتي المفضلة DW-TV الألمانية العربية.  في هذه اللحظات أتساءل فقط عن الذكي الذي أخرج بدعة شجرة الميلاد من طبقة النبلاء الباردة إلى العامة وعن العبقري الذي تضخم دماغه بعدما خلق من هذه البدعة شريطا استهلاكيا وجعل من هذه العادة سوقا معمرا لا انتهاء له.  هكذا تنتهز الفرص وتستثمر وتصرَّف عالميا.  اليوم يستمتع الناس من كافة أنحاء العالم بزوبعة عشية عيد الميلاد بغض النظر عن التصريف الديني لمجموعاتهم ولكن الاعلام الغربي أو بالأحرى الإعلام الأوروبي يعلم جيدا كيف يستغل هذه الفرصة من أجل بث أفكار خفية بحجة انتشار المسيحية ونجاح الحركة التبشيرية المسيحية ومحاولة القول أن الاحتفال بعشية عيد الميلاد أصبح اعتقادا عالميا حتى لو كان مكسورا.  تعرض القناة في برنامج “في دائرة الضوء” استعراضا لمشاهد الاحتفال العالمي من جميع بقاع الأرض بعشية عيد الميلاد في: كندا، الصين ، مصر، جزر المحيط الهادي ، الهند، وأوروبا مارا هذا الاعتقاد بجميع قارات العالم!

أحاول ترجمة بعض الأفكار الخفية وراء هذه الحلقة. حسنا.. المخرج ذكي جدا- لكن بما أنه لا تربطني بالمخرج أي علاقة عاطفية أقصد أي علاقة – سأثني على الإعلام الأوروبي العبقري الذي استطاع أن يوظف طريقة (تثبيت فكرة عن طريق نفيها). إن تثبيت الفكرة عن طريق نفيها هي سياسة مضمونة وواردة جدا عند بعض المهن كالمحامي والبائع والسياسي ومخرجي الأفلام والإعلاميين بشكل عام وقد استخدم المخرج هذه الطريقة في هذه الحلقة من برنامج “في دائرة الضوء” التي تتحدث عن عالمية الاحتفال بالكريسماس محاولا اثبات هذا القول عن طريق السخرية منه..كيف؟ يسخر المعلق من طريقة الاحتفال بعشية عيد الميلاد في بعض أنحاء العالم كالهند والقاهرة وجزر المحيط الهادي حيث أنهم يحتفلون بها رغم أن أغلبيتهم ليسوا كاثوليكيين مخلصين وليسوا محاطين بالثلج الوفير الذي هو أساس جميع المظاهر –من بابا نويل إلى جورب الأمنيات– ومع ذلك فالإستعدادات لهذا الاحتفال دائما تكون على قدم وساق والأصل أنه يقول أن الاحتفال بعشية عيد الميلاد أصبح في كل بقاع الأرض موجها بذلك رسائل خفية مثل: اثبات نظرية Monkey see.. Monkey do  لتوضيح التقليد الأعمى الذي تسير عليه شعوب العالم. جزء من هذه النظرية يبدو صحيحا فمن المضحك جدا القول بأن الهندوسيين يحتفلون بهذه المناسبة أيا كانت طريقتهم التي لا تمت للكريسماس ولا لمظاهره أية صلة والمضحك أكثر أن البرنامج يعرض أيضا أن المسلمين يحبون الاحتفال بهذه المناسبة ويشاركون فيها. وهذا بالطبع “حقيقة واضحة” كون الشرق الأوسط يعج بنسبة جيدة من المسيحيين لكن الحقيقة الضبابية الغير واضحة والذي بسببها يتشارك فيها الناس الاحتفال بعشية عيد الميلاد عالميا هي (التجارة) أو (الربح المجيد) الذي يبدع فيه الصينيون حيث أنهم يثبتون ببراعاتهم الصناعية أنهم قادرين على تمويل العالم بجميع مظاهر الكريسماس المجيد من أجل ربح مجيد ويثبتون بالفعل أن الموضوع لا يتعلق بالإخلاص للمسيح أو لأي سبب ديني ولكن من أجل المتعة ومشاركة الأصدقاء مظاهر احتفالية عالمية تماما كما يفعلون في حفلات أعياد الميلاد (البيرثداي).. بعض الأدلة على ذلك أنهم لا يبيعون تماثيل ونحوتات السيدة العذراء والمسيح، فالشيوعية الصينية لا تبيع معتقادتها سواء الدينية أو السياسية بهذه السهولة.

المسألة لم تعد دينية أبدا، الكريسماس أصبح عادة اجتماعية بل وأكثر من ذلك هي عادة استهلاكية. ركز البرنامج السابق ذكره على ثلاث أمثلة لثلاثة من أكبر التجمعات السكانية في العالم: الهند ومصر والصين. بالنسبة للهند المثال مثير جدا ومحبوك بطريقة هشة. هندوسيون يحتفلون بعشية عيد الميلاد !! أجده عنوانا مثيرا لمقالة هذا الأسبوع.. أما مضمون المقالة فمثير أكثر .. الاحتفال بالمشي ع الجمر والتواصل مع الأرواح بمظاهر خالية من الثلج وشجر عيد الميلاد والشموع والأضواء! ياللسخرية. وبالنسبة للشرق الأوسط حيث العالم العربي وبالذات المثال المصري الذي ذكر في البرنامج (القاهرة) فإن موضوع انتشار مظاهر الاحتفال بعشية عيد الميلاد لا يتعدى عملية (البحث عن الجنيه) أي أن الموضوع يتعلق بكسب المال لشدة التنافس التجاري في بلد يتزاحم بالملايين الذين يسعون للتمسك بالحياة.  وأخيرا.. بالنسبة للصين فإن الكريسماس هو ورقة لعب رابحة لأصحاب الأعمال والتجار يجب الاستعداد لها دوما لتغذية المشاركة الاجتماعية لدى المستهلكين.

اذن أحاول ترجمة بعض الأفكار الخفية وراء هذه الحلقة. لإثبات نظرية ما.. عليك أن تبتدع النظرية، (2) أن توجد لها بيئة، (3) أن توجد لها برنامج انتشار يظهر للعيان، (4) عليك أن تجد ورقة اللعب الرابحة من أجل استمرارية صلاحية النظرية أي أنك تحتاج لعمّال يقومون بأعباء العمل دون أن يتذمرون (أي أن عليك إرضاءهم)، وأخيرا تحتاج إلى (5) ملفاتك السرية من اجل أن لا تخلق سوقا تنافسيا غير صحي يودي بنظريتك إلى الهلاك. هنا عليك أن تدرس مبادئ التسويق وتهتم بالخدع السحرية من أجل أن لا يكشف أحدهم لأي مدى كنت بارعا في كذبك.

بالنسبة للإعلام الأوروبي فقد أوجد نظريته الخاصة في اثبات التقليد الأعمى الذي يسري على جميع شعوب العالم وواحد من أمثلته هو أجواء الاحتفال بعشية عيد الميلاد  حيث أن هذه الظاهرة مكتملة تقريبا من حيث مظاهر الاحتفال المادية (الشجرة، الأضواء وشخصية الحدث سانتا كلوز).. كل شيء جاهز لبدء العملية. ورقة اللعب الرابحة نجدها في السوق الصيني الصناعي حيث أوجد لهم سوقا باستخدام ذكائم ورخص عملتهم ووفرة اليد العاملة.  الآن، الصينيون راضون جدا لكن هذا العمل يجب أن يستمر بسرية تامة حيث أن الغلاف الديني هو أفضل وسيلة لعبور جميع البلدان في ظل التسامح الديني الذي يتعايش معه العالم أجمع وهو أسهل خلطة سرية من أجل اثارة مشاعر الناس وتعاطفهم وبالطبع ذلك لن يكون باستخدام الدين الاسلامي حيث أن هذا الدين يتعارض مع الكثير من الأمثلة الأخرى لتطبيق النظرية.  انشاء المشاريع الخيرية ، الفرح والبهجة والسلام، الأشياء التي تعبر الروح هي مظاهر تسويقية من الدرجة الأولى لإرساء قواعد نظرية التقليد الأعمى وإلا كيف للهندوس أن يحتفلون بعشية عيد الميلاد ؟؟! كل شيء يمكن أن يخبأ داخل غلاف التبشيرية المسيحية. الناس راضون ماديا وروحيا. كل شيء يسير على ما يرام. Monkey see, Monkey do

السبت 18 سبتمبر\أيلول 2010 يبدأ أول أسبوع دراسي وهو آخر فصل دراسي لي في الجامعة ( إن شاء الله). وهاهو الأسبوع الثالث يمر.. في حياتي الجامعية كلها على مدى خمس سنوات لم أرى قرارات “فايتة بالحيط” مثل هذه المرة. طبعا لن اتحدث عن أسبوع الحذف و الإضافة .. لكن بالنسبة لأصحاب القرارات في جامعتنا الرائعة فهو أسبوع مليء بحذف الكثير من الأشياء و القرارات وإضافة أشياء أخرى والأجمل  أننا نحن الطلاب لا يهم مشاركتنا في أي قرار حتى ولو كان يتعلق بنا بالدرجة الأولى وفي هذه التدوينة سأطرح مقطع من مثال فقط لأنه يكفي لرفع معدل الضغط في شراييني بأعلى قوى الإغاضة!!

مقدمة: جامعة السلطان قابوس من أوسع الجامعات وهي مترامية الأطراف تحوي البناء القديم (جميع الكليات) والبناء الحديث (كليتي الآداب ،والتجارة والمباني الدراسية -أقصى شمال الجامعة) ومؤخرا المبنى الثقافي الضخم(أقصى جنوب الجامعة) والآن يتم بناء قواعد عسكرية أقصد دراسية لكلية العلوم وتم في الشهر الماضي الانتهاء من مبنى مشابه. الزبدة: التوسع العمراني الأفقي لجامعة السلطان قابوس يمنحك فرصة من اثنتين، إما أن تصبح رياضيا وعداءا ماهرا وتحصل على مستوايات تنافسية للمشي والعدو داخل الحرم الجامعي العريض من أجل أن تلحق موعد محاضرتك وعملك وهذا بالطبع سوف يزيد من أرباح محلات الأحذية والنعلان وبالتالي يرفع من معدلات اقتصاد البلد، وإما أن تحصل على رقم جديد في زيادة عدد المركبات التي تدعى سيارات وباصات لأننا في عمان بشكل عام وفي الجامعة بشكل خاص لا نستطيع استخدام أي تكنلوجيا أصغر وأوفر في مجال التنقلات سوى هاذان… ولأن الجامعة – كما يبدو- تسعى لتوفير الراحة وأعلى مقاييس الجودة للآهليها فإنها اهتمت بالكثير من الأشياء.. أذكر منها مقطع من مثال فقط !!

المثال الأول:   هو “تغيير حركة النقل داخل الحرم الجامعي”. الوضع السابق: تمر الباصات على نقاط التجمع داخل السكنات الداخلية للطالبات المهيأة باستراحات مظللة نوعا ما ومؤثثة بالكراسي. تستمر الباصات بنقل الطالبات من السكنات إلى نقطة تجمع الباصات التي تتوسط المباني الدراسية مع المسجد وكليتي التجارة والآداب (تفكير منطقي لأن الموقف استراتيجي). وكذلك هنالك حركة نقل من نفس النقطة الأخيرة إلى المركز الثقافي. الزبدة: هنالك حركة سير من أقصى الشمال إلى الجنوب ومن السكنات الداخلية إلى الكليات البعيدة.

الوضع الحالي: باصات تسير على نظام المسار الأحمر والمسار الأخضر. تنتقل الباصات عبر نقاط تجمع متوزعة للطالبات والطلاب أيضا وتمر بنقاط التجمع فقط دون الدخول إلى السكنات الداخلية للطالبات. الزبدة: مفكرين أصحاب القرار بتنفيذ تطبيق حركة نقل تشابه الميترو.. بحيث لا تتوقف سوى في محطات معينة في أوقات معينة.

التعليق: ميترو إيه يا روح أمك انت وهوّ ؟؟!!! اذا كان الوضع بالفعل مزدحما جدا وأن هذا قد خلق مشكلة يجب حلها.. فأعتقد أننا يا جامعتنا الغالية من حقنا أن نرى تطبيق ما يتم تعليمه لنا داخل حرمك المتنامي. “مش معقولة بقا نتعلم اننا لما نحل مشكلة لازم نفهم أولا بيئة المشكلة ونحلل بياناتها ونتوقع صعوبات وأوضاع الفشل ونجمع المتطلبات ونكلم المستخدمين ونجرب اقتراح حلول ونجرب تنفيذها وناخذ feedback وبعدين ننفذها بشيء من الجودة وابتسامة تحقيق انجاز .. ونجي بعد هذا كله نشوف بعيننا عكس هالشي تماما” طبعا مع بداية الفصل الدراسي بدأ تنفيذ هذا النظام الجديد حتى بدون ما يعرف أحد من المستخدمين والذين هم سعادتنا أي شيء عن هذا النظام. هذا أولا أما ثانيا ولأجل ان لا نظلمهم فإنهم حاولوا شرح هذا في خرائط للجامعة توضح المسارين الأحمر والأخضر في أزفت خريطة شفتها في حياتي وبحجم A3 .  ثالثا .. ليعرف الطلاب والطالبات مواقع المحطات فإنهم وضعوا في مكان كل محطة خشبة بيضاء عليها خريطة المسار (الغير مفصلة) وأجمل ما في الأمر أن جميع المحطات وضعت فقط لتنفيذ القرارات دون أي اعتبار لحال الطلبة .. فالوضع كالتالي:

- تحت لهيب الشمس .. لا توجد مظلات للطلبة ولا حتى كراسي والغريب أن المحطات في وسط الشارع!

- لا يوجد نظام زمني محدد لوصول الباصات في المحطات ليعرف الطالب وضع انتظاره! طيب على أي أساس ماشي؟

- ماذا بشأن الطلاب الذين يعانون من أمراض تمنعهم من الوقوف في الشمس؟؟

- ماذا بشأن الطالبات اللاتي يمرضن مؤقتا ولا يقدرن على المشي لمسافات طويلة أو حتى الوقوف ؟؟؟

باختصار.. لماذا لا نعامل بجدية أكثر حينما يكون القرار يخصنا !! عندما نكون نحن المستخدمين.. عندما نكون نحن المستهلكين. اذا لم تكن المدينة الجامعية هي أرقى الأماكن التي تطبق عليها العلوم فما من داع لأن يعترف بها عالميا.