كنت أظن أن الأحلام تتحقق و أنني سوف أتخطى أرقي وأتصالح مع أيامي لأستطيع ان أبحث عنك كما خططت تماما.
لقد ظللتك منذ ذلك اليوم الذي وجدتك فيه على الكرسي الأحمر تقعدين عند زاوية قريبة مني .. حيث أستطيع أن أراقبك وأتابع أمسيتي الخاصة فيك و أتفاعل مع موسيقاها على تعابيرك التي كنت لأصدق أن هذه الأمسية هي احتفالية موسيقية خاصة أقيمت من أجلك ، تحوي قائمة موسيقاك المفضلة .
اندماجك في الايقاع وذوبانك الفاضح كانا يخبراني أن هذا النوع الهادئ الممزوج من الموسيقى الريفية و الكلاسيكية يكسبك جدا.
ولكم تمنيت أن تسمعي ايقاعات نبضي تحدثك من بعيد قريب!
هل كانت عيناك تبحث عني فعلا أم مازالت روح الكاتبة فيك تحب أن تراقب الناس وتهوى التعليق على كل الوجوه وكل الأحذية دون ان تفوت أي موقف!
وفي تلك اللحظات المختزلة من كل تلك المراقبات .. تلك اللحظات التي يسرقك سرحانك مني فتفيضين سعادة حتى تفضحك أناملك الرقيقة محاولة اخفاء شفاهك الفرحة بابتسامة أغرتني.. هل كنت تسرحين معي .. هل أَخبَركِ احساسك المرهف أنني قريب منك جدا ..وأتمنى أن أقعد بجانبك؟!
آآآه يا حلوتي..
مضى وقت طويل منذ تلك الأمسية اللعينة !
أبي العزيز ..تحمل تأخري ريثما أمتص غضبي ها هنا وأستسيغ هذا الازدحام في هذا القطار الذي لا يحشو سوى جثثا عفنها الغضب والضجر أوأماتها التعب.
سأصل قريبا .. فقد جلبت معي الدواء …اصبر .. لم يبق الكثير.
…………………….
إنه كانون الأول من جديد!
مضى شهر ، وسنة ،وست سنين أخرى يا أبي .. ولم تأت بعد!
لقد كَبُر ابن الثالثة عشر منذ ذلك اليوم .. لم يعد زن الذباب يزعجني منذ هجرتُ قنّ الدجاج الذي كنا نعيش فيه أنا وأنت سابقا.. وها أنا أعود لذات الذكريات وحفرة الآلام التي تركتني محبوسا فيها.
الهواء ملوثٌ هنا .. لكنها نفس الرائحة ..وعطرك مازال مغروسا في تربة كل هذا الحشيش المهمل!
يااااه !! المكان مهجور جدا هنا !
” مياااااو ” !! .. ابتسامة تعلو وجه (صهيب) وتبدوملامحه مرتاحة : “مرحبا أيتها اللطيفة.. دكش دكش دكش … هيييي .. ماذا تفعلين هنا؟! لا يوجد مكان دافيء أيتها البريئة ..تعالي ، تعالي الى حضني ..دكش دكش دكش”
ويقترب صهيب ..وتقترب عيناه تضم القطة المشردة ..ويقعد متكئا على الجدار مفترشا الغبار، نافضا ذاكرة الزمن! فيلاطف قطته ويداعبها..
- “ما الذي أتى بك هنا صغيرتي؟.. هل كنت تعلمين بقدومي فجئت لتؤنسيني؟ ..هل رأيت أبي؟ هل أتى ذلك الرجل الجلمود؟ لابد أنه أصبح شيخا مهابا..لابد!”
لقدمضى الليل ..بعد ليلة أنهكت ذكرياتها صهيب ..فاختلس شعاع الشمس نافذة الكوخ العتيق ليدغدغ رموش صهيب الكثيفة ..وصوت موسيقي خافت متناغم الايقاع ..” ميااااو مياااو ” يحاول مساعدة الشعاع اللطيف ليوقظ الذكريات من جديد!
ومع أول انبثاق للرؤية .. تنبعث أصوات أطفال يلعبون بمرح شقيّ..
- (ياسر) ..هيا يا رشيق!
ههههههه… ضحك جماعي.
- صهيب!! كف عن مناداته بالرشيق! ..فهو يزيد عنادا ويزيد معه اكتنازا !..
- هههه …( يامن) يا صديقي .. أنا أحاول أن أساعده!
(جوزيف)..قل شيئا!
جوزيف يرمق صهيب ويامن بنظرة ,, يضع كفيه على جيبيه ويوجه ناظره الى ياسر منتظرا اياه.
- يامن..لن يخدعنا الكلب هذه المرة .. سوف نهجم على بقعته في (المُحْـشَى) فهو يعيق طريقنا السري. جوزيف سيتصرف مع الكلب فهو الوحيد الذي يستطيع ان يتحاشي قتله! …هيااا يا ياسر!
” مياااو ”
شعور رطب يدغدغ كفي .. آآ ..أيتها الصغيرة ..جائعة؟ ليس عندي ما أسد به جوعك وأنني متأكد من أن لحمي لا يناسب ذوقك !
هل كنت أحلم أم أنه مازال شيء ما هنالك يربطني بهذا المكان ! آآآه جوزيف الرائع في هدوئك .. هل مازال سقف بيتكم صامد؟!
صباح جميل هذا الذي استحضركم أيها الرفاق في زمن الغياب الأعمى ..
وأنت يا جوزيف .. انت كنت سيدالغياب في اللحظة الأحوج إليك.. تماما كما كنت السر الأعظم .. دائما كنت تحتكر الألقاب لك وحدك..بل كانت الألقاب تحتكرك لها ، فهي تعلم تماما أنك لم تكن كأي طفل! كنت طفلها.
اشتقتك جوزيف .. اشتقت لعينيك .. كأنك ابن عيني أبي .. خُلِقتَ من نظرته الدافئة الوقورة ..كأنك لجمال لعينيك ضحيت بنظرك فكنت تستعين بعدسات أخذت اسم نظرك لتُدعى “نظارات”.. كأنك لفرط فقرك تغانيت بالبصيرة منذ طفولتك القديمة..ولفرط ثورتك الجانحة على عالم لم تحب أن تعيشه ورثت من ابيك اسمه ليرقع صفته في أحوالك ومواقفك.. بل انت ورثته من جدك السابع أو التاسع ..أجدادك الذين أسسوا (رحلات الجراميز الأربعة) برتبة “جُرْمُوز” صغير يستكشفون مزارعا مهملة تحت سفح الجبل وأرضا خصبة منسية في زمن أرعن.
لعل قوة الذئاب وشراستها هي التي أوحت للعرب اطلاق اسم “جُرموز” على الذكر الصغير من أولاد الذئب.
ولعلك يا صديقي ورثت النخوة من أجدادك الذين حاولو أن يتشبهوا بأبناء الذئاب في قوتهم حتى استطاعوا اصلاح ذلك الاهمال المهمل ويستصلحوا المزارع ارضا للسكنى ..ففي زمانهم لم يكن يلزمهم الكثير من الأوراق والمعاملات و الانتظار المميت والنقود مما يساوي ثمنها نصف عمرك لتدفعها من أجل قطعة أرض صغيرة تأويك من نكبات الحياة دون أن تدري أنك سوف تقضي نصف عمرك الآخر تدفع ثمن البيت الذي ستبنيه أقساطا من سعادتك مختصرا الطريق الى النكبات.
حارة “الجراميز” كانت الاكتشاف الأول لأربعة شبان أصبحت وطنهم الأول منذ اكتشافاتهم الصبيانية الأولى ..ووطن فقرك الأول الذي أهدي الى جدك الثالث من (أولاد الجور) حينما تحولت جينات الجرموز الى جينات شيطانية تتهافت على مقولة “من عزّ بزّ” فكل من غلب بثرائه سلب الآخرين مكانتهم وأشياءهم. ،فحاولوا سلب الأراضي من أهل الحارة في زمن انقلب على بعض الرجال فأفقرهم وأجبر كبرياءهم على الخضوع لسطوة الجور الجارف من أبناء الجرموزالأول (سلطان) . ولو كان يعلم أن اسمه سيسبب الكثير من فجائع الجشع والسلطنة بعد وفاته بقرون لكان استبدل اسمه قبل أن ينجبهم!
لربما كان الخطأ ما اقترفه جدك الثالث بما استمسك به من الفقر في أبنائه فورّثهم اياه في اسمائهم فكل أحفاده وأعمامك يحملون من الكبت والذل ما يكفيهم في أسمائهم ..أبوك (كاظم) الذي سكت مرارا عن حقوقه واكتفى بالكثير من التجشؤ كاظما صوت الحق حتى أصبحت له عادة!! وابنة عمه ــ أمك (عديمة) التي لم تملك من ارث الجراميز سوى مجمرة فضية تتباهى فيها أمام حرم الفرعون الأعظم سيدة المشاكل (جوخة) كلما أتتكم بخيش كستناء يفرح قلبك الصغير..والتي منذ أن عرَفت ان لها أصولا تركية عريقة حاولت أن تُثقِل قلوب الأخريات بدونيتهم وتوزع أخياش الكستناء الذي يُجلب لها من تركيا.
الدونية .. انها ليست مرض الأيتام فحسب يا صديقي ..انها مرض أيتام النسب أيضا!
أتعلم يا جوزيف!
أنا أيضا توصلت الى ادراك معنى الاسم! أجل .. فهو يتعدى الهوية ..إنه يحمل لك كل الاختيارات في صك حروفه عدى اختيار اسم غيره!! حتى أولئك الذين يغيرون أسماءهم لايزالون مقتنعين تماما بعدم قدرتهم على انكار الاسم القديم.
ألذلك حير الاسم الكثيرين ,, وحرض الكثير منهم على الابداع والابتداع من أسمائهم قبل أن يبتكروها أفكارا من أسماء غيرهم؟
.. .. ..
(اولادالجور) و (الفرعون الأعظم) أبناء عمومة تعالت بهم الشيطانية بكل صفاتها الجهنمية لتوقد الحرائق في حارة الجراميز.
لربما هي لعنة الاستكشافات الصبيانية الأولى أو لعنة الحارة ذاتها. ربما يا صديقي هنا يتشارك أحفاد الجراميز الأربعة .. الجوع !!..
فالذئاب جوزيف .. الذئاب دوما جائعة..ولطالما كان جوعكم من فقر ..وكان جوعهم عن طمع…
وكل رأس له صداع !!
ولربما حلت اللعنة من ذلك “المحشى” الذي كبرت حشائشه وأشجاره لتخفي مقبرة شاسعة كانت موطنا لأجساد قديمة. لربما هي لعنة استكشافاتنا نحن التي بدأت تدوس عفونة أجسادهم وتتسكع بعين الحذر في أملاكهم .. لعنة استحواذنا مخبأً سريا من حجرهم العارية جانب البئر العتيق.
برغم سعادتي بما استحضر هذا الصباح البارد صوركم المجمدة داخل قوقعة الزمن القديم..أشعر بكآبة الوحدة .. مشرد كهذه القطة .. هارب من مطاردات التبني الى مطاردات مازالت تنضج على حمم من غضب (عين النمرود) !!
منذ أن تركتني يا أبي وأنا أزاول كوابيس المطاردات ..فصاحب العين الحمراء مستعد للانتقام من ابنك يا (مراد) بجميع أشكال العنف النازيّ أو عنف العقاب الصيني الذي يراعى فيه تنكيس الرأس بأغلال حديدية تحمل ثقلا يوازي أضعاف ثقل الضحية مع التأكد من شد الأطراف وابقائه قائما على رجل واحدة هكذا لعدة ساعات ..وربما لعدة أيام حتى يرتوي عطشهم الدامي ليبدؤوا بعدها مائدتهم الدموية الأعنف مستلهمين من التاريخ أبشع الجرائم ممارسين أساليبا جديدة لمفاهيم القوة والسلطة !
أين تراك وضعته يا مراد درويش؟ أين هي أماكنك السرية التي لا يعرفها غير قبرٍ ما زال دافئا بحنان أمي، وعيني طفلك الصهيب اللتان لم تعرفا طريقا لاختزال الأماكن السرية في ذاكرة تلك الأيام التي كنت تحملني في حضنك الدافيء طويلا.. ولماذا اختزنتُ ذاكرة الاحساس دون ذاكرة للصورة ..دون ذاكرة المكان! ألئن ذاك الدفء كان دفئين؟ هل كنت اذن جادا حينما كنت تخبرني أن أمي أهدتك دفئها وحنانها من أجلي حين غادرت؟!
مضى يومان .. والبرد ماض في جرف الأحياء. كل شيء مجمد كذاكرة! الماء مجمد .. الهواء مجمد ..الحياة كلها مجمدة هنا.. وحده الموت مائع السيولة .. مخادع غدار، يطعن من خلف شتاء قارص ! والجنازات وحدها مظهر الحياة هنا…حتى الدموع تجمدت بأمر الشتاء الجارف. وبأمره تتجمد دماؤنا رغما عن دفء الشراشف ورغما عن دفء الحنان ،فها هن أمهات الحنان يجررن دفء صدورهن على جنازة! كم هو محزن هذا الأنين .. دون دمعة!
لابد أن أخرج من قن الدجاج قبل أن يتشمم الشتاء ذاكرتي فأصبح أول من تحل عليه لعنة البرد اللعين لأنني أحمل ذاكرة دفئين وأتلفف بمعطف نفض ثقله غبارَ الذاكرة.
وداعا قطتي ..
اذا أتى أبي في غيابي خبّريه كم أنا مشتاق لعينيه. خبريه أنني خفت على حالي من مطاردات شتوية جديدة.. وأنني ذاهب اليه في كل مكان ألجأ إليه. خبريه أيضا ..أنني أصبحت مستعدا .. وأنني سأعود في آذار لأنني خُبّرتُ أن حظه كان دائما في آذاره وحظي يكون دائما في نيساناتي .. شهران من الحظ يكفيانني لأقوم بالمهمة ..
………………….
كم أنت باردة يا “حارةالطفولة” !!
انت كما أنت اذن ! هضبة قصر الفرعون لم تصغر..عساها صغرت فرعنتها. وكما أتوقع جدا لم تتغير حصون أولاد الجور. فهي محصنة ضد هجماتنا المتوقعة حتى الآن هههه!
أزقتك ما زالت أزقتك.. وترابك! أحب ترابك المطمور تحت الثلج المترصد لك في موعده تماما. لكنه هواؤك الذي تجمد.. أيضا بأمر الشتاء.
خطواتي تحفر في ثلج أزقتك أكثر .. ولكنني سأواصل المشي رغم تحذيره لي من الاقتراب منه. لا جدوى من ذلك أيها المحشى فقد عرّاك الشتاء رغما عن أنف سلطتك ولعناتك.
ها أنتم ترتجفون بعفونة ديدانكم المتخمة. الشتاء يعلن هيمنتة. وبئركم اليابس يصمد خاضعا أمام ذكرياتي.. أحبك يا حفرتي الخرساء ما حفظت أسرار اجتماعاتنا وثرثرتنا المبعثرة حولك.
يا لكم من موتى!
الموت ليس ذا أهمية أيها العجزة المصلبون على قبوركم ما دمنا كلنا الى ذات النزعة الأخيرة آيلون. أعلم الآن تماما لماذا يهتم البعض بالتفكير في التصالح مع الموت حيا فذلك من مصلحته دام الموت سيختار له ميتة أرفق من غيره. وبت أعلم أيضا لم يهتم آخرون بما بعد الموت. كيف ستكون ذكراك؟ وهل أحد سيهتم أو يكترث لما كنته يوما !
هل كنتم أنتم متصالحون جدا مع الموت ليمنح لعناتكم حياة ما بعد موتكم فتحل على من يستحل غنائمكم من بعدكم؟ أم أنكم متصالحون جدا مع الشتاء أصلا وهو بدوره متصالح مع الموت ..فكلما عادت اليه الحياة المنزوعة من الخريف الأشيخ أراد بذلك اراحتكم من عبث اللعنات وترك افتعال الفجائع لبرده ! لكنني لا أظن ذلك ..هل كنتم فراعنة الفساد أيضا؟هل كنتم كذلك حقا؟ أم كنتم جمعا طيبا مرتزقا بجد النخوة وحب الحياة؟!!
يقال أن قبور الطيبين تنبت الزرع الأخضر. ومهما كان الشتاء قاسيا تعود الحياة خضراء للمحشى وتعود معها مغامرات استكشافاتنا ونباحنا لكلاب الزفت أعداء يامن الوسيم هههه !
يأخذني الزقاق الى بيت العم نجيب الطائي. صاحب أكبر مزرعة. لا يأخذكم الفرح باسمه الكريم فنجابته أتقنت كرم الطائيين على ذريته فحسب. لا تُصيب ولا تصاب حتى أصبح بيته مرفوعا على روزنامة عالية. لا يزور ولا يزار. مقطوع من رحم أمه وقاطع لأرحامه. وها قد اختفى اختفاؤه الذي كان أيضا.
كل ما كان يضن به من مساحات الغنى الفاحش كان منزوع البركة! لعله طُرِد من دعوات أمه المزروعة في بلاد النجد. فهو حالة مغلولة من الكرم !!
سبع سنين مضت في غيابي عنك أيتها البيوت السبعة! أيتها الذئاب .. وأيها الطائي المهاجر من كرم النجد وانت يا جوزيف الفقير. ها هي ذي القصة تتراكض نحو مصب نهايتها فقد طارت بهم العنقاء وخلا منهم المكان ! ترا هل طارت أرواح ذئابهم الجائعة معهم أم تركته مرميا على تربة حشائشهم مختلطا بغبار بيوتهم؟
أتراه صدق القائل “اذا طلع نجم سُهَيْل رُفع كيل ووُضع كيل” ..ههه! وكذا هم رُفعوا عن أرض الجراميز لتتحول لآخرين يجهلون سر هذا المكان… أم هي المقبرة اللعينة تواصل فجائعاها لكل من حاول أن يجني خصبتها وتربتها المجاورة؟!
ها أنا أعود إليكِ بذات الأقدام ولكن بوقع خطوة أطول وأثر عار الغياب الذي خدعني فيه وهم القدوم في يوم يشبه هذا اليوم دون صقيع، أحمل معي حقيبة الأحلام البنفسجية لنيسان الصحوة ..للأمل المقيد قبل سبع سنين .. يوم أعود فيه من سفر التبني يا صديقي أجلب لك هديتي سقفا ثابتا وحضنا مشتاقا يرفع سقف آمالك. لكنني سابقت الموعد فلا أجد غير برد وخواء!
……………………………….
تتسلقني الرغبة في البكاء .. ورغبة أخرى تنازعني صمودي فتأخذني عن غفلة دمعة فتغرقني أعمق أحزاني .. أنا حزين .
أنا يا جوزيف حزييييين. !!
أيتها الدمعة الخائنة !
ثقيلة كل هذه الذكريات أصدقائي دونكم!
سأرحل من هنا.. أعلن انسحابي أمام صقيعك .. !
سأعود لأشرب فنجان حنين مع أصدقائي. قد أعود في صقيعك أيضا لكنني سأعود أدفا.
ابتسامة أخيرة على وجه صهيب ويلوح وجهه لدرب الرجوع الآخر.
……..
الضوء!
كأشكال الناس .. عديــــــــــد !
كأجناس الناس .. عديــــــــد !
كمهن الناس .. مختلف ..متنوع ..وعديـــــــد !
كالمشاعر… متبلور في تفاسيره .. أكثر من عديد !
هذا الصباح وضاء على غير عادته !
هل يعلن الربيع في وجه الشتاء الشاحب فرحه.. ، ههه بل هو يستفزه.
صحوة دافئة كهذه أدفع لها الملايين. ورائحة عجوزتي لا أستبدلها أبدا. ما زالت وردة اطمئناني الأولى وما زالت عنواني الوحيد. لكنها تأخرت اليوم عن موعدها الصباحي مع فراشي يبدوأنني سأحاول ممازحته لوحدي مع أني أعلم أن ترتيبي لا يناسب ذوق “ماه”.
-”ماه” فراشي زعلان !
بضحكة صادقة تجيبني .. وتناولني فنجان الشاي الصباحي..
- أيها الماكر! لقد كبرت وكبرتني معك .. ألم يحن دورك في تدليلي ؟
- هههه! أنا أشيب منك “ماه” !
وتبدأ عتابها المعتاد … ودمعة تحاول الاختباء..
- اشتقتك ولا تدري ..
فلا أملك إلا أن أحتضنها وأحاول رشوة عتابها بقبلة على صفحة جبينها المجعد.
- أبحث عن أنسك كل يوم .. في فراشك ..في كوبك ..في ثيابك..
من المهم هنا مقاطعة وحيد يأنس لك الأكثر .. فما كان لي إلا محاولة احتواء بركان أشواقها وقلقها الذي كان يحيا كل يوم أثقل من ذي قبل!…
- لن تبحثي عني اليوم… ما رأيك بجولة في السوق نتبضع بعض الشيء؟
وبابتسامة عريضة وايماءة مترددة همت بلبس معطفها الصوفي العنابي.
تجولنا قليلا في شوارع مدينة مُلاّ الكرامولاّ .. واصطحبتها إلى أقدم محل حلويات يصنع حلواها المفضلة .. واحتفلنا ببعض الكراميل الأشهر في المدينة يدعونه (كرامولا) تماما كاسم المدينة التي منحتها حبها الأول ورفيق الدرب وسابق الرحل..فقد كان يحب هذا الكراميل بالذات.. ثم تبضعنا آخر المطاف ..
يقال أن اسم المدينة استوحي من الكراميل الذي جاء به المُلة صدّيق الذي اشتهر بخلطته حتى تسامعت بها الأفواه واشتهتها المسامع فطرقت أقدامها محل الملة يخلقون أعذار الاحتفالات للحصول على كميات يستطيعون الاحتفاظ بها ليومين أخرين من اللذة.
اصطحبت عجوزتي إلى المنزل وودعتها بعد الغداء بقبلة على يدها محاولا رشوتها لتصرّح لي تركها لوحدتها ! وما كان لها أن ترفض فهي متأكدة من عودتي الليلة.
……………….
ها هو الشتاء يحمل أثقاله بعيدا الى أرض أخرى لكنه يُبقي على برده الخارق ليذكرنا أن الأقوياء لا ينسحبون من أي ساحة ببساطة ولأنه حتما قد حدد موعده القادم.
يمشي بي الطريق إلى ساحة إيرما بعيدا عن الجراميز.
حل المساء سريعا .. وكل لقاءاتي لم تقترب بعد!
أين يمكن أن يحتضنني لقاء حار ما زلت أبحث عنه!
انها القهوة ! وحدها المتفردة بكل الحالات ووحدها التي تفهم كل المشاعر في كل الأوقات. يبدو لي هذا المقهى عاثرا مثلي .. هو أيضا يفهمني.
لماذا تسري بي رغبة سريعة للقائي مع القهوة. ولماذا هي بجميع مذاقاتها أحبها وبكل ألوانها الغامقة لذيذة.
أحب صوت جرس الباب الذي يعلن عن دخولي. انه يعلم القهوة عن مجيئي مُرَحّبا ،فقد يكون زوج الكرسي و الطاولة التي ستقعد عليها عاجزا عن الترحيب بك كما يجب. حتى فنجان القهوة قد يكون مجبرا على الشتيمة في قذارته التي يجلب معها القهوة وما تراكم من قهوة كل من سبقوك وشربوا من نفس الفنجان لأن صاحبنا نفذت منه ذخيرة الصابون لتنظيف الفنجان كما يجب! لكن الحظ يحالفني هذه المرة وكل الأشياء في تعاطف معي كأنما تفهم تعثر حالي فترحب بي، حتى رائحة المكان .. تكسبها القهوة الشهية.
مذهلة !!
من هي هذه المذهلة بأمواجها الطويلة؟ هل ستجلب لي القهوة أنا أيضا؟
أنصاف حالات كتلك التي تصدح بها أصالة نصري …
ونصف ذهول أثقلته كذبة المساء بنصف قمر وسراب سحابات خيال.
” واللي عشنا العمر نحلم بنلاقيه..
بين ايدينا ولسه بندور عليه .. !!
زي كدبة عايشه جواها الصراحة..
نص ضحكة .. نص فرحة .. نص راحة ..
نص حالة..
نص للحب اللي يمكن نصها التاني استحالة “
كم هي ضاحكة هذه الابتسامة على ثغرك المنفتح كوردة الزنبق الفواحة بعطر شرفتك.. تلك التي كنا خلسة نتقاذفها عشقنا السري.
ما الذي أتى بك معي هنا أيضا.. هل هي هذه الموجات عصفت بك على طاولتي؟ أم انت هنا معي لأنني قلتها لك يوما انك في قلبي دائما معي..
أنت هنا اذن..
دعيني أواصل فيك أنصاف حالاتي. دعيني اليوم أهدر وقت الحاضر تحت سلطة الحنين وسطوة الحب.
تشبهينها جدا. وتشبهين خصرها الممشوق لكنك تخبئين كل أسرارك لك وتلحفينها بموج شعرك الطويل جدا كبحر غرقت فيه وأنا الغريب!! لكنه بحر أكثف من بحور ذكرياتي ورغم بياضه فهو داكن وغامض جدا! أحاول أن أخمن لونه قبل أن يصبح أبيضا ..ماذا كان؟
أشقر؟ ..
أحمر كستنائي؟ ..
بني؟ ..
.. أم كان يشبه ليلها الحالك؟ وحدها هي التي كنت أختبئ خلف رايات حلكتها. وها أنا أغرق في بياضك بعدها !
بالرغم من هذا أشعر أن في موجاته كل ألواني وألوانها .. كل ألوان الحياة المخبأة كنصف وجهك الذي أحاول اكتشاف ملامحة خشية أن تكوني أنت أنت !
تعالي .. فقد امسى اللقاء بحضورك أشهى من رائحة القهوة..
تعالي قدمي لي القهوة .. قدمي لي لونك الذي امتصه بياضك. تعالي فساعات المساء تضيق في لحظات كهذه.
ها هو الجرس يغني مجددا معلنا عن ضيف جديد .. شيء ما يسعدني في هذا الصوت الرنان.
لا لستَ عاثرا أيها المقهى. فزبائن قهوتك يبدون أجمل هنداما من لافتتك العتيقة.. كهذا الشاب الوسيم الطويل الذي يدخل لامع الابتسامة جذابا جدا فيسرق مني التفاتة منها. أحس بغيظ يغلي وينتابني شعور الغيرة.
هه! ياللسخرية ! ماذا أصابني .. !
ولماذا تنزع عنها ملاءتها .. هل انتهى دوامها هل تغادرين يا ..
يا ماذا؟
أيها السارق وتتجرأ بالتوجه إليها ؟؟ أخخخ لو …
سارق ماذا أيها المعتوه .. انهما يبدوان على معرفة! ها هو يتوجه إليها وتحادثه.. وأكثر من هذا تقدم له القهوة قبلي !
إنه يحاول ممازحتها ببراعة. أستطيع أن أشم براعته من حكايات يديه. تدخل هي ..
ويتوجه الشاب نحوي بفنجان القهوة !!
نحوي؟!
بابتسامة الواثق المتودد..
-مرحبا يا حلو الطلة..تفضل فنجان القهوة.
-شكرا..
اتكأ على ظهر الكرسي بيده اليمنى وسألني..
-هل تطلب شيئا آخر؟
وبنظرة استغراب كنت أجيبه ..
-لا ..شكرا !
هل تعمل هنا انت أيضا ؟
شيء ما يشدني إلى عينيه! كنت أتأمل عينيه الشهلاويتين ووقع لونهما على صفحته السمراء مبتسما لما يساورني من شعور جميل لابداع الخالق في هذا اللون الطيني المتعدد الجماليات.. في محاولة لاطالة الحديث ..
بابتسامة ملفقة لم استطع فك شفرتها ..وهو يعتدل في قامته ويرتب شعراته التي انسدلت قليلا على وجهه ..
-لا ..أستأذنك.
وغادر كل تعجباتي و استفهاماتي.
وعاد اللقاء بيني و بين القهوة فقط.. آآآه قهوتي.
أتعلمين قهوتي .. كم اشتاقها معك..
حميمية هي حرارة دفئك تسري داخلي فتبعث فيني كل هذه الراحة.
اتعلمين قهوتي .. أذهلني اكتشاف أن الدفء ليس اختلاف درجة الحرارة بين جسدي والطرف الآخر عني حيث أكون الأبرد.. لكنه ذلك الاطمئنان والاستغراق فيه ثوان معدودة..
أجل .. انه الاطمئنان .. انه الطريق الى الدفء
… .. ..