عشية الربح المجيد

Posted: ديسمبر 25, 2010 in Business

آآآآه! أنا غارقة في مذاكراتي النهائية استعدادا لآخر أسبوع دراسي لي لكسب عملة البكالوريوس والعالم غارق في زوبعة الـ(ــكريسماس) !  كعادتي الصباحية في نزوى .. أبدأ صباحي بشاي أمي، وخبز أمي ولقمة من الفطور اللذيذ الذي أعدته أمي مستمتعة بمتابعة قناتي المفضلة DW-TV الألمانية العربية.  في هذه اللحظات أتساءل فقط عن الذكي الذي أخرج بدعة شجرة الميلاد من طبقة النبلاء الباردة إلى العامة وعن العبقري الذي تضخم دماغه بعدما خلق من هذه البدعة شريطا استهلاكيا وجعل من هذه العادة سوقا معمرا لا انتهاء له.  هكذا تنتهز الفرص وتستثمر وتصرَّف عالميا.  اليوم يستمتع الناس من كافة أنحاء العالم بزوبعة عشية عيد الميلاد بغض النظر عن التصريف الديني لمجموعاتهم ولكن الاعلام الغربي أو بالأحرى الإعلام الأوروبي يعلم جيدا كيف يستغل هذه الفرصة من أجل بث أفكار خفية بحجة انتشار المسيحية ونجاح الحركة التبشيرية المسيحية ومحاولة القول أن الاحتفال بعشية عيد الميلاد أصبح اعتقادا عالميا حتى لو كان مكسورا.  تعرض القناة في برنامج “في دائرة الضوء” استعراضا لمشاهد الاحتفال العالمي من جميع بقاع الأرض بعشية عيد الميلاد في: كندا، الصين ، مصر، جزر المحيط الهادي ، الهند، وأوروبا مارا هذا الاعتقاد بجميع قارات العالم!

أحاول ترجمة بعض الأفكار الخفية وراء هذه الحلقة. حسنا.. المخرج ذكي جدا- لكن بما أنه لا تربطني بالمخرج أي علاقة عاطفية أقصد أي علاقة – سأثني على الإعلام الأوروبي العبقري الذي استطاع أن يوظف طريقة (تثبيت فكرة عن طريق نفيها). إن تثبيت الفكرة عن طريق نفيها هي سياسة مضمونة وواردة جدا عند بعض المهن كالمحامي والبائع والسياسي ومخرجي الأفلام والإعلاميين بشكل عام وقد استخدم المخرج هذه الطريقة في هذه الحلقة من برنامج “في دائرة الضوء” التي تتحدث عن عالمية الاحتفال بالكريسماس محاولا اثبات هذا القول عن طريق السخرية منه..كيف؟ يسخر المعلق من طريقة الاحتفال بعشية عيد الميلاد في بعض أنحاء العالم كالهند والقاهرة وجزر المحيط الهادي حيث أنهم يحتفلون بها رغم أن أغلبيتهم ليسوا كاثوليكيين مخلصين وليسوا محاطين بالثلج الوفير الذي هو أساس جميع المظاهر –من بابا نويل إلى جورب الأمنيات– ومع ذلك فالإستعدادات لهذا الاحتفال دائما تكون على قدم وساق والأصل أنه يقول أن الاحتفال بعشية عيد الميلاد أصبح في كل بقاع الأرض موجها بذلك رسائل خفية مثل: اثبات نظرية Monkey see.. Monkey do  لتوضيح التقليد الأعمى الذي تسير عليه شعوب العالم. جزء من هذه النظرية يبدو صحيحا فمن المضحك جدا القول بأن الهندوسيين يحتفلون بهذه المناسبة أيا كانت طريقتهم التي لا تمت للكريسماس ولا لمظاهره أية صلة والمضحك أكثر أن البرنامج يعرض أيضا أن المسلمين يحبون الاحتفال بهذه المناسبة ويشاركون فيها. وهذا بالطبع “حقيقة واضحة” كون الشرق الأوسط يعج بنسبة جيدة من المسيحيين لكن الحقيقة الضبابية الغير واضحة والذي بسببها يتشارك فيها الناس الاحتفال بعشية عيد الميلاد عالميا هي (التجارة) أو (الربح المجيد) الذي يبدع فيه الصينيون حيث أنهم يثبتون ببراعاتهم الصناعية أنهم قادرين على تمويل العالم بجميع مظاهر الكريسماس المجيد من أجل ربح مجيد ويثبتون بالفعل أن الموضوع لا يتعلق بالإخلاص للمسيح أو لأي سبب ديني ولكن من أجل المتعة ومشاركة الأصدقاء مظاهر احتفالية عالمية تماما كما يفعلون في حفلات أعياد الميلاد (البيرثداي).. بعض الأدلة على ذلك أنهم لا يبيعون تماثيل ونحوتات السيدة العذراء والمسيح، فالشيوعية الصينية لا تبيع معتقادتها سواء الدينية أو السياسية بهذه السهولة.

المسألة لم تعد دينية أبدا، الكريسماس أصبح عادة اجتماعية بل وأكثر من ذلك هي عادة استهلاكية. ركز البرنامج السابق ذكره على ثلاث أمثلة لثلاثة من أكبر التجمعات السكانية في العالم: الهند ومصر والصين. بالنسبة للهند المثال مثير جدا ومحبوك بطريقة هشة. هندوسيون يحتفلون بعشية عيد الميلاد !! أجده عنوانا مثيرا لمقالة هذا الأسبوع.. أما مضمون المقالة فمثير أكثر .. الاحتفال بالمشي ع الجمر والتواصل مع الأرواح بمظاهر خالية من الثلج وشجر عيد الميلاد والشموع والأضواء! ياللسخرية. وبالنسبة للشرق الأوسط حيث العالم العربي وبالذات المثال المصري الذي ذكر في البرنامج (القاهرة) فإن موضوع انتشار مظاهر الاحتفال بعشية عيد الميلاد لا يتعدى عملية (البحث عن الجنيه) أي أن الموضوع يتعلق بكسب المال لشدة التنافس التجاري في بلد يتزاحم بالملايين الذين يسعون للتمسك بالحياة.  وأخيرا.. بالنسبة للصين فإن الكريسماس هو ورقة لعب رابحة لأصحاب الأعمال والتجار يجب الاستعداد لها دوما لتغذية المشاركة الاجتماعية لدى المستهلكين.

اذن أحاول ترجمة بعض الأفكار الخفية وراء هذه الحلقة. لإثبات نظرية ما.. عليك أن تبتدع النظرية، (2) أن توجد لها بيئة، (3) أن توجد لها برنامج انتشار يظهر للعيان، (4) عليك أن تجد ورقة اللعب الرابحة من أجل استمرارية صلاحية النظرية أي أنك تحتاج لعمّال يقومون بأعباء العمل دون أن يتذمرون (أي أن عليك إرضاءهم)، وأخيرا تحتاج إلى (5) ملفاتك السرية من اجل أن لا تخلق سوقا تنافسيا غير صحي يودي بنظريتك إلى الهلاك. هنا عليك أن تدرس مبادئ التسويق وتهتم بالخدع السحرية من أجل أن لا يكشف أحدهم لأي مدى كنت بارعا في كذبك.

بالنسبة للإعلام الأوروبي فقد أوجد نظريته الخاصة في اثبات التقليد الأعمى الذي يسري على جميع شعوب العالم وواحد من أمثلته هو أجواء الاحتفال بعشية عيد الميلاد  حيث أن هذه الظاهرة مكتملة تقريبا من حيث مظاهر الاحتفال المادية (الشجرة، الأضواء وشخصية الحدث سانتا كلوز).. كل شيء جاهز لبدء العملية. ورقة اللعب الرابحة نجدها في السوق الصيني الصناعي حيث أوجد لهم سوقا باستخدام ذكائم ورخص عملتهم ووفرة اليد العاملة.  الآن، الصينيون راضون جدا لكن هذا العمل يجب أن يستمر بسرية تامة حيث أن الغلاف الديني هو أفضل وسيلة لعبور جميع البلدان في ظل التسامح الديني الذي يتعايش معه العالم أجمع وهو أسهل خلطة سرية من أجل اثارة مشاعر الناس وتعاطفهم وبالطبع ذلك لن يكون باستخدام الدين الاسلامي حيث أن هذا الدين يتعارض مع الكثير من الأمثلة الأخرى لتطبيق النظرية.  انشاء المشاريع الخيرية ، الفرح والبهجة والسلام، الأشياء التي تعبر الروح هي مظاهر تسويقية من الدرجة الأولى لإرساء قواعد نظرية التقليد الأعمى وإلا كيف للهندوس أن يحتفلون بعشية عيد الميلاد ؟؟! كل شيء يمكن أن يخبأ داخل غلاف التبشيرية المسيحية. الناس راضون ماديا وروحيا. كل شيء يسير على ما يرام. Monkey see, Monkey do

تعليقات
  1. uramium يقول :

    اختراق قناعة المستهلك يأتي بعقيدته وعواطفه أولاً وهذا ما يجعل الفالنتاين ثاني أكبر عيد للتجار والمستهلكين على حد السواء، لدينا مايشبه الذي ذكرت في العالم الاسلامي ، في أعيادنا يبيع بعض التجار بكميات توازي ما يباع في محلاتهم على مدار السنة، وإلى الآن لا حاجة لبذل مجهود تسويقي/ترويجي كبير .

  2. Dawood يقول :

    لا أعلم ماذا عساني أن أقول غير أن لأي انسان في هذا العالم له جانب مادي ونفسي(عاطفي) حيث ان العالم فالقرون الوسطى اهتموا بالجانب النفسي وأهملوا الجانب المادي مما سميت تلك القرون بالقرون المظلمة ولكن في وقتنا الحالي اهتموا بالجانب المادي(الربحي) فيا ترى ماذا سيطلق على هذا القرن على سبيل المثال القرون الحيوانية……….فأين هي الموازنة بين الجانب النفسي والمادي؟؟؟؟

  3. رجل من الشرق يقول :

    كلام رائع ، وبإسلوب نثري جميل ،كما أن الموضوع جداً حقيقةً تفرض واقعها على شعوبنا.
    من خلال إطلاعى على الفعاليات فإن عيد الميلاد في الدول غير المؤمنة والممارس للمسيجية كدينانة أصبح عادة استهلاكية بالفعل ، فبعضهم ما زالوا يذهبون لا لتأدية فريضة، بل لتلبية غريزة تكمن في داخلهم شوقاً ليحظوا بقبلة حين تطفئ كل الأنوار ، و أن يأخذ جميلته في نهاية الفريضة!!، إنها ليلة العذر التي تمنحهم حرية التمتع بما لا يليق بديانة.
    لكي يحظوا بكل هذا يجب أن يدفعوا وجاهة عيد الميلاد ،وشريط عيد الميلاد ، وديك عيد الميلاد .

    شكراً لجدار المدونة الجميل .

    رجل من الشرق.

  4. ليالي مسقط يقول :

    شكرا لك تابع التدوين

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s