على هذا الشط.. هذه الصدفة والكثير من فتات أصداف تحللت وتفتتت ..وجمجمة بيضاء تلبس قبعة عصرية مرسومة بدقة بفتات الصدف، وآخر ما تراجع من موجة البحر الأخيرة أكل فم الجمجمة وأزاح ذقنها لأسفل قليلا.. لا بل هذا كلب بوليسي يركض بنباح فاغر الفم ولعابه يسيل يلبس قبعة فرنسية.. بل يحمل قطعة لحمة لا أستبين شكلها .. لا لا .. هذا كلب أليف لطيف وفيّ يحمل حمامة بفمه دون أن يؤذيها وأذناه الطويلتان تتطايران اثر وثباته السريعة متجها لعجوز طيبة تملكه وتسكن آخر الرواق… أظن أن خيالاتي لن تنتهي في فك هذه الزاوية من هذه البلاطة!
عندما كنت صغيرة .. كلما أدخل الحمام – أو دورة المياه لمن يظن أن هذه التسمية أكثر تهذيبا – .. في كل مرة أدخل أخرج بخزينة خيالية وبألف قصة وقصة. تلك الأشكال التي تكوّن رسم قطع البلاط أو الرخام تتشكل بالف شكل وشكل وترسم في خيالاتي ألف وجه ووجه .. ولا اظنني في الواقع وحدي.. فأنا أظن ان الكثيرين مثلي. ولأني كنت صغيرة كان لابد أن لا أحكي هذا أمام أحد .. يجب أن لا أبدو مجنونة أو سخيفة.. فبدأت آخذ قلم رصاص معي في كل مرة وأرسم الأشكال التي أراها .. في الحقيقة لم أكن محتاجة لذلك إلا لأنفي من رأسي فكرة أن الشيطان يتلاعب بي في الحمام .. يقال أن الحمام هو بيت الشيطان ما كان يحدث ببساطة كان يشبه جدا ذلك الذي نفعله عادة عندما نشاهد سحابا يمر .. ونبدأ برؤية أشكال غريبة سرعان ما تتبدل.
حالة التبدل بين الصور التي نراها هي ما دفعني لكتابة هذا المقال..ترى.. هل هذا التبدل هو نتاج تطور سريع لعملية التخيل أم هو انعكاس خاص من ملفاتنا المخزنة في أدمغتنا أي متعلق بالماضي؟ .. بافتراض أن التطور السريع لعملية التخيل لا يملكه الجميع بنفس البديهية حيث أنها قدرة متفاوتة بين بني البشر.. فهل هذا يعد انعكاسا دماغيا فيزيائيا أم روحيا؟ أقصد.. هل هو انعكاس صور خزنتها الذاكرة حسب البيئة ، المكان، الزمان أم هو اختزال للطاقة المستهلكة في التفكير أو دعنا نقول في طريقتنا في التفكير فيظهر منعكسا على الصور الخارجية العشوائية كالتي نراها في بلاط الحمام أو في عشوائية ألوان الرخام والتي حينها تتشكل بوعي أو بدون وعي .. بقصد أو بدون قصد !
لطالما كان تفكير الانسان حلزونيا.. بمعنى أن فكرة واحدة تكفي لبدء دوامة من الأفكار.. فالتبلور هو واحد من أشكال الحلزونية اتتي أعنيها.. وموضوعي الذي اعرضه الآن (مصدرالخيال المقتبس).. هذا التساؤل حيرني جدا وودت لو أعرف هل للشيطان فعلا علاقة في هذا كون هذه التخيلات تكون بأكمل حالاتها في الحمام! التخيل هي ميزة .. ومن أكثر الوسائل ابداعا في عقل الانسان.. هي التركيبة الإلهية المعقدة والتي تعكس ملمحا من ملامح الخالق العظيم.. لكن ما هي الحلقة المفقودة التي يرتبط فيها الشيطان بعملية التخيل.
قادني هذا إلى قراءة الكثير عن الشيطان لأتوصل إلى مفهوم البشر للشيطان .. وتوصلت أخيرا لنتيجة بسيطة هي : أنه في الحقيقة لا يوجد مفهوم خالص للشيطان .. إلا أن العلاقة الوحيدة بيننا وبين الشيطان تكون في وسيلة واحدة هي “الجذب”. بامكاني القول ان التنويم المغناطيسي هو نوع من أنواع عملية الجذب حيث أننا نكون في حالة من التنويم المغناطيسي عندما يشدنا الفضول نحو شيء ما أو ننجذب إلى شيء ما. وفي الحقيقة نحن بني البشر أكثر ما يجذبنا هو الغموض والجمال (على مستوى معنوي وأن المال و النجاح هما ما يجذبان البشر على مستوى مادي) ولأن الشيطان يعلم جيدا أن الخيال اللامحدود هو واحد من اكثر الميزات العقلية لدى أعدائه البشر فلابد من التحايل عليه من هذا المنطلق. لذا فالخلاصة التي توصلت إليها هي أنه من الخطأ ربط الشيطان دائما بالقبح .. فالشيطان يعلم جيدا مدى نفورنا من القبح ولذا فهو مرتبط بالجمال..ولكنه أذكى من ان يرتبط بمفهوم الجمال النقي. مربط الفرس في حديثي كله هو التخيل حيث أن عملية التخيل هي مصدر كل الأفكار ولذا نجد على سبيل المثال ان الخطة ما هي إلا نظرة تخيلية ومسبقة التفكير من أجل انجاز هدف معين. وأظن ان خطط الشيطان تبدأ دائما بنقطة بداية واحدة هي التخيل !!
